رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

551

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

للمخاطبين واستهانةً بالدنيا وسلطانها ، وتعريضاً بأنّ هذا الإيتاء ليس من باب اللطف والرحمة ، بل من باب الاستدراج والإملاء ، كما قال عزّ من قائل : « سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ » « 1 » وقال : « وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ » « 2 » . مع ما في هذا الإسناد من الإشارة إلى أنّهم لم يكونوا مفوّضين بحيث يمكنهم أن يصيروا بمجرّد إعطاء القدرة مستطيعين لمخالفة مشيّة اللَّه العزميّة ، أي أوامره ونواهيه ، بل أزمّة الأمور كلّها بيد جبروته ، لا يستطيع أحد فعلًا : طاعة كانت أو معصية ، أي لا يتمّ علّيّته لذلك الفعل إلّابمشيّة اللَّه الحتميّة التي هي إكمال جميع ما يتوقّف عليه هيجان إرادة العبد وتحقّق المراد ، فلا يكون الإقدار موجباً للخروج عن سلطان الملك الجبّار طرفة عين . وقوله عليه السلام : ( واحدةٌ مُقَدِّمِةٌ ) . [ ح 1 / 645 ] الأظهر عندي أنّ تأنيث « واحدة » على أنّها صفة لمصيبة ، أي المذكورة في الآية السابقة ، أعني قوله تعالى : « ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ » « 3 » الآية ، فكأنّه عليه السلام يقول : إنّ الفقرة الأولى إشارة إلى وقوع مصيبة متعلّقة بنا في الدنيا رحمة لنا ، والثانية إشارة إلى وقوع مصيبةٍ متعلّقة بهم في الآخرة غضباً عليهم ، واحدة من المصيبتين مقدّمة ، وهي استدراج اللَّه إيّاهم المنشأ لتسلّطهم علينا وغصب حقوقنا بسوء اختيارهم ، المستند إلى خبث طينتهم واستحقاقهم بذلك للعذاب الدائم ، وواحدة مؤخّرة ، وهي مصيبتنا المتأخّرة على ذلك الاستدراج . ويحتمل أن يكون التأنيث باعتبار موصوف مقدّر ، أي حكومة واحدة مقدّمة ، وهي التي جعلها اللَّه تعالى لعليّ عليه السلام يوم أخذ الميثاق ويوم الغدير ، وحكومة أخرى مؤخّرة ، وهي التي آتاهم اللَّه تعالى بعد رحلة النبيّ صلى الله عليه وآله استدراجاً ؛ نعوذ باللَّه من ذلك .

--> ( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 183 . ( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 178 . ( 3 ) . الحديد ( 57 ) : 22 - 23 .